التذكير بالغاية من خلق الانسان
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"
لقد فرض الله العبادات وجعلها سببا للارتقاء بالاخلاق وتهذيب السلوك،
فقال سبحانه وتعالى {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} (45) سورة البقرة.
وقال تعالى عن الصلاة {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (45) سورة العنكبوت.
وقال تعالى في شان الزكاة {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (103) سورة التوبة.
وقال في شأن الصيام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (183) سورة البقرة وقال صلى الله عليه وسلم ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)) صحيح البخاري -1770- (6/472).
ثم ماذا
في زحمة الحياة وملذاتها واستمتاعه بزينتها من مأكل وشرب ومنكح ؛ يغفل الإنسان عن غاية وجوده وسر حياته ، وتتحول هذه الملذات والشهوات إلى إلف يألفه ، لا يكاد يستغني عنه ، وهذا الإلف متى طال امده فإنه يُعبِّد الإنسان لهواه وشهوته ، وينسيه الغاية من خلقه ، والتي من أجلها أوجد الله له الطعام والشراب والزوج كي يستعين بها على طاعة ربه وخالقه .
فإذا اصبحت الامور الوسائل هما للانسان وغاية ، يعيش لها ، وينام عليها ، ويصحو يفكر فيها ، عند ذلك تأسره هذه الملذات ، ويصير عبدا لها ، وبذلك يتحقق فيه قول النبي تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس " .
ثم جاء الصيام
وما احسن ما قاله المناوي موضحا هذه الحكمة ، قال انما شرع الصوم كسرا لشهوات النفوس ، وقطعا لاسباب الاسترقاق والتعبد للاشياء ، فإنهم لو داوموا على اغراضهم لاستعبدتهم الأشياء ، وقطعتهم عن الله ، والصوم يقطع اسباب التعبد لغير الله ، ويورث الحرية من الرق للمشتهَيات ، لأن المراد من الحرية : أن يملك الأشياء ولا تملكه ، فإذا ملكته فقد قلب الحكمة ، وصير الفاضل مفضولا ، والاعلى أسفلا { قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِين } ( الأعراف 140)
والهوى إله معبود ، والصوم يورث قطع اسباب التعبد لغير الله ( الأشقر 9)
حيث خص الله هذا الشهر الكريم بالصيام، والصيام جنة (أي وقاية)، وكل عمل ابن آدم فهو له إلا الصوم فهو لله وهو يجزي به، وأنعم بجزاء الله تعالى من جزاء، وأجمل بكرمه وعطائه من عطاء، فالصوم يهذب النفس، ويسمو بالروح والخلق، ومن هنا يتعلم المسلم أنه ما خلق ليأكل ويشرب ويعاشر النساء، فكل هذا تشاركه فيه جميع دواب الأرض، لكنه خلق لغاية اسمى وهدف أعلى وهو عبادة الله تعالى وتقواه بإتيان ما أمر واجتناب ما نهى، فهي ثورة على شهوات الأرض وجواذبها، فنحن نملكها وهي لا تملكنا فلسنا عبيدا لشهوة ولا أسرى لعادة، حيث إننا اعلنا العبودية لله، وهذا يتضمن نبذ عبودية ما دون الله.
وهذا الشهر تصفد فيه الشياطين، ويترك المسلم لنفسه والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (يوسف: 53).
فيستطيع أن يميز المسلم بين ما يأمره بالشيطان وما تأمره به النفس، ومعرفة الداء طريق لمعرفة الدواء فيضع من التدابير الواقية والأسباب المعينة على الارتقاء بالنفس، وتهذيبها وتزكيتها, قال تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} الشمس: (7-10).
فيحاسب المسلم نفسه فيراقبها ويحاسبها ثم يعاتبها ويؤدبها حتى تسلس له وتخضع لأمر الله فتصبح نفسا لوامة تستحق ان يقسم بها الله, ثم ترقى حتى تصير مطمئنة {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر: 27 -30)