الصدقة في رمضان
ان الله يدفع بالصدقة انواعا من البلاء كما في وصية يحيى عليه السلام لبني اسرائيل وامركم بالصدقة، فان مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده الى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم صحيح الجامع فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ بل من كافر فان الله تعالى يدفع بها انواعا من البلاء، وهذا امر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم واهل الارض مقرون به لانهم قد جربوه.
ان العبد إنما يصل حقيقة البر بالصدقة كما جاء في قوله تعالى لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92].
ان المنفق يدعو له الملك كل يوم بخلاف الممسك وفي ذلك يقول { ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً }
ان صاحب الصدقة يبارك له في ماله كما أخبر النبي عن ذلك بقوله ما نقصت صدقة من مال
انه لا يبقى لصاحب المال من ماله الا ما تصدق به كما في قوله تعالى وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ [البقرة:272]. ولما سأل النبي عائشة رضي الله عنها عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها قالت ما بقى منها الا كتفها قال { بقي كلها غير كتفها } في صحيح مسلم.
ان الله يضاعف للمتصدق اجره كما في قوله عز وجل إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:18]. وقوله سبحانه مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:245].
ان صاحبها يدعى من باب خاص من أبواب الجنة يقال له باب الصدقة كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله قال { من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي في الجنة يا عبد الله، هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من اهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من اهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من اهل الصيام دعي من باب الريان }
قال ابو بكر يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها قال { نعم وأرجو أن تكون منهم } [في الصحيحين].
انها متى ما اجتمعت مع الصيام واتباع الجنازة وعيادة المريض في يوم واحد الا أوجب ذلك لصاحبه الجنة كما في حديث ابي هريرة ان رسول الله قال { من اصبح منكم اليوم صائماً؟ } قال أبو بكر انا قال { فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ } قال أبو بكر: أنا. قال: { فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ } قال ابو بكر انا، فقال رسول الله { ما اجتمعت في امرىء إلا دخل الجنة } [رواه مسلم].
ان فيها انشراح الصدر، وراحة القلب وطمأنينته، فان النبي ضرب مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق إلا اتسعت أو فرت على جلده حتى يخفى أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا الا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع [في الصحيحين]
( فالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلمَّا تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصَّدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبدُ حقيقياً بالاستكثار منها والمبادرة إليها وقد قال تعالى: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [الحشر:9




