رمضان اليوم

Ramadan Today

تفسير سورة القدر

انا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( 3 ) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ( 4 ) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( 5 )

البسملة تقدم الكلام عليها  {‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ‏}‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ‏}‏ الضمير هنا يعود الى الله عز وجل، والهاء في قوله ‏{‏أَنزَلْنَاهُ‏}‏ يعود الى القران، وذكر الله تعالى نفسه بالعظمة ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ‏}‏ لانه سبحانه وتعالى العظيم الذي لا شيء اعظم منه، والله تعالى يذكر نفسه احيانا بصيغة العظمة مثل هذه الاية الكريمة ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ‏}‏ ومثل قوله تعالى‏ ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر 9‏]‏‏.‏

ومثل قوله تعالى‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏يس 11   وأحيانا يذكر نفسه بصيغة الواحد مثل ‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏}‏ ‏[‏طه 14    وذلك لأنه واحد عظيم، فباعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد   والضمير في قوله‏{‏أَنزَلْنَاهُ‏}‏ ضمير المفعول به وهي الهاء يعود إلى القرآن وإن لم يسبق له ذكرلأن هذا أمر معلوم، ولا يمتري أحد في أن المراد بذلك إنزال القرآن الكريم، أنزله الله تعالى في ليلة القدر.

فما معنى انزاله في ليلة القدر‏ ‏ الصحيح ان معناها  ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، وليلة القدر في رمضان لا شك في هذا ودليل ذلك قوله تعالى ‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ‏}‏ ‏[‏البقرة  185‏]‏‏.‏

فإذا جمعت هذه الآية اعني ‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏}‏ الى هذه الآية ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ‏}‏ تبين ان ليلة القدر في رمضان، وبهذا نعرف ان ما اشتهر عند بعض العامة من ان ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا اصل له.

ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان، وليلة النصف من شعبان كليلة النصف من رجب، وجمادى، وربيع، وصفر، ومحرم وغيرهن من الشهور لا تختص بشيء، حتى ما ورد في فضل القيام فيها فهو احاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومها وهو يوم النصف من شعبان بصيام فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، لكن بعض العلماء  رحمهم الله يتساهلون في ذكر الاحاديث الضعيفة فيما يتعلق بالفضائل‏:‏ فضائل الأعمال، أو الشهور، أو الأماكن وهذا أمر لا ينبغي، وذلك لانك اذا سقت الأحاديث الضعيفة في فضل شيء ما، فإن السامع سوف يعتقد ان ذلك صحيح، وينسبه إلى الرسول  صلى الله عليه واله وسلم  وهذا شيء كبير.

فالمهم ان يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصان بشيء دون سائر الشهور، فليلة النصف لا تختص بفضل قيام، وليلة النصف ليست ليلة القدر، ويوم النصف لا يختص بصيام، نعم شهر شعبان ثبتت السنة بأن النبي  صلى الله عليه وسلّم  يكثر الصيام فيه حتى لا يفطر منه الا قليلًا وما سوى ذلك مما يتعلق بصيامه لم يثبت عن النبي  صلى الله عليه وسلّم الا ما لسائر الشهور كفضل صوم ثلاثة ايام من كل شهر وان تكون في الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهي ايام البيض‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ‏}‏ من العلماء من قال  القدر هو الشرف كما يقال ‏(‏فلان ذو قدر عظيم، أو ذو قدر كبير‏)‏ أي ذو شرف كبير، ومن العلماء من قال   المراد بالقدر التقدير، لأنه يقدر فيها ما يكون في السنة لقول الله تعالى ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.‏